لملخص:

تهدف هذه المقاله الی دراسه «الملحمه» فی الادب العربی و اسباب خلو الادب العربی منها، بدءاً بالمعنی اللغوی لهذه الكلمه ثم بیان معناها فی الادب و بیان انواعها و میزاتها فی الادب العالمی، و ذكر ما هو یعد من قبیل الملاحم فی الادب العربی القدیم و الحدیث و دراسه ظهورها فی الادب العربی أو خلو الادب العربی منها، و الا شاره إلی اسباب قلّه الملاحم فی الادب العربی، و منها الخیال البسیط و الفردیه و قلّه خطر الدین لشاعر الجاهلی و قلّه الاساطیر الخصبه و وجود القیود الوزن و القافیه فی الشعر العربی و ضعف فن القصه فیه و ضیق نطاق الاحداث الجاهلی و قصر النفس الشعری و التمسك بالمنهج التقلیدی و …

الكلمات الرئیسه: الاجناس الادبیه، الملحمه، الشعر القصصی، الشعر الحماسی

مقدمه::

الملحمه هی من اهم الاجناس الادبیه، و لدراستنا حول الملاحم أهمیه خاصه، لأنها ترجع تأریخیاً إلی العهود الفطریه للشعوب، العهود التی كان الناس یخلطون بین الخیال و الحقیقه و بین الحكایه و التأریخ، و هی التی تعرفنا القیمه الحقیقیه و الفنیه لحضارات القدیمه كالاغریق و الایران و بین النهرین و الهند و …

و هی التی تروی لنا قصه التأریخ و قصه السابقین الاولین من هذا الرکب البشری و نحن نكون من الذین یرون من خلالها الظروف الاجتماعیه و الاقتصادیه و السیاسیه التی سادت علی المجتمع الانسانی فی تلك العهود القدیمه الماضیه، و لولاها لبقی التأریخ الحضاری أوهاماً یحفر فی اذهان الاجیال اسئله یستعصی حلّها أو تتأخّر الاجابه علیها و هی التی حافله بالمعلومات الخطیره و الهامه و هی التی تحمل الماثرالبشریه التی تحاكی فی افعالها البطوله و النبل و الخوارق و نجد فیها ایضاً ماثر اخری و موضوعات فنیه أخری منها الشعر و منها النثر، منها الغناء و الموسیقی، و منها التصویر و الرسم، حتی النحت و الخط و ماشابه ذلك…

فضلاً عن اتخاذ الملاحم الیوم ماده للرموز فی الاداب من جانب الشعراء، و اتخاذ مضامینها فی القصص و المسریحات و الروایات و… و الذین یقرأون هذه القصص و الروایات یحسون بلذهٍ كثیرهٍ و یرون انفسهم فی بینه حافله بالهدوء و السذاجه و البساطه، «و لن تخلوا الدنیا من هؤلاء القراء الذین یسرون للانتقال من الحیاه الخاطره المعقده الشاقه الی العصور الماضیه البسیطه حیث یظفرون براحه النفس و مطالعه الطبیعه البشریه فی درجتها الفطریه الجمیله»

و نتناول خلال دراستنا الی الظروف الاجتماعیه و الاقتصادیه و النفسیه التی یعیشها الشاعر الجاهلی لأننا نعتقد بأن بعضاً من هذه الاسباب -اسباب الخلو الادب العربی من الملحمه- یرجع الی البیئه التی یعیش فیها الشاعر و بعضها یرجع إلی نفسیه الشاعر و بعضها یرجع الی العوامل السیاسیه التی ساعدت علی المجتمع العربی فی تلك العهود، و ركّزنا دائره بحثنا علی العصر الجاهلی اكثر من العصور المتأخره الأخری، لأننا نعتقد بأن الملاحم –خاصه الملاحم المجموعه أو الأصلیه- تنشأ فی العهود الفطریه للشعوب «و المدینه الحاضره و تقدم العقل البشری، و النظم الدیمقراطیه فی العصور المتأخره، لن تسمح بقیام الملاحم، حتی أن محاوله خلقها تعد بمثابه محاوله بعث الموتی، و وجود خصائص الملاحم فی عمل ادبی معاصر یعد مرضاً یجب استئصاله»

الملحمه لغه::

الملحمه فی اللغه بمعنی الحرب و إنما سمیت بذلك لأمرین: أحدهما تلاحم الناس، أل تداخلهم بعضهم فی بعض و الاخر أن القتلی كاللحم الملقی…

و بعباره اخری «الملحمه: الوقعه العظیمه القتل، و قیل موضع القتال و ألحمت القوم؛ اذا قتلتهم حتی صاروا لحماً.و الحم الرجل الحاماً و استحلم استلحاماً: إذا نشب فی الحرب فلم یجد مخلصاً…

و الجمع الملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس و اختلاطهم فیها كاشتباك لحمه الثوب بالسدی، و قیل هو من اللحم لكثره لحوم القتلی فیها…

و الملحمه: الحرب ذات القتل الشدید… و الوقعه العظیمه فی الفتنه…»

و كلمه ملحمه یونانیه الاصل و تلفظ Epikos أو Epos و معناها «كلام» أو «حكایه» و فی الفرنسیه Epique و فی الانجیلزیه تلفظ Epic.

«و قد وردت الملحمه» و مشتقاتها فی الشعر كثیراً، من ذلك قول الأخطل:

حتی یكون لهم بالطف ملحمه و بالثویه، لم ینبض بهاوتر

و قول عجیر السلولی:

و مستلحم قد صکه القوم صکه بعید الموالی، نیل ما كان یجمع

و ایضا وردت الكلمه فی حدیث جعفر الطیار(رض)یوم مؤته: «أنه أخذ الرایه بعد قتل زید فقاتل بها حتی ألحمه القتال فنزل و عقر فرسه»

اما الملحمه فی المصطلح الادبی فهی::

جنس أو نوع خاص من الشعر القصصی البطولی، الذی لم تعرف العربیه شبیهاً له، من حیث البناء القصصی المتكامل، و من حیث الحجم العددی للأبیات الشعریه التی تبلغ الالاف، و من حیث الشخصیات التی تسمو فوق المستوی العادی للناس الأسویاء، و تتصف بما هو من سمات الابطال الأسطوریین، و من سمات الالهه، أو أنصاف الالهه، فی المعتقدات الوثنیه البدائیه، و من حیث الاحداث و الوقائع الخارقه ، و من حیث أن الوقائع الحربیه التی یخوض الابطال الملحمیون غمارها، و الماثر الخارقه التی یحققونها، تدخل فی صمیم الصراع الوطنی و القدمی، دفاعاً عن حق مغتصب، و فی سبیل أن تحیا الامه التی یمثلونها بحریه و كرامه و هناء.

و من هذا المنطلق، تدور الملاحم حول محور بطل وطنی أو حول شخصیه مصطفاه من العقیده الدینیه و هی أنا شید وطنیه یتغنی الشعب بها، لأنها الصوره المثلی التی یطمح الشعب إلیها… و هی تحتوی علی افعال عجیبه، و حوادث خارق العاده و العنصر الاساسی فیها هی الحكایه و الروایه و إزدهرت فی عهود الشعوب الفطریه، حین كان الناس یهتمون بالخیال اكثر مما یهتمون بالواقع.

و الشاعر فی هذا الضرب القصصی لایتطرق الی عواطفه و لا یتحدث عنها «فهو شاعر موضوعی یذكر نفسه، و یتحدث فی قصته عن بطل معتمداً علی خیاله، و مستمداً فی أثناء ذلك من تأریخ قومه، و كل ماله أنه یخلق القصه و یرتب لها الاشخاص و الأشیاء و یجمع لها المعلومات، و یكون من ذلك قصیدته، و عاده ینظمها من وزن واحد لا یخرج عنه»

و تختلف الملاحم البطولیه اختلافاً بیناً عن المدائح التقلیدیه التی تعج بها دواوین الشعراء، لأن الملاحم هی تسجیل فنی لبطوله شخص تأریخی أو أمه عریقه المجد، یملیها علی الناظم إیمان شدید بتلك البطوله و شغف عمیق بتصویرها و نصبها امام الحالمین، و هكذا تصبح البطوله الشخصیه أو القومیه موضوعاً عاماً یوحد أجزاء الملحمه و یوجهها نحو هدف خاص. و شتان ما بینها و بین قصیده المدح التی إنما یراد بها تبجیل الممدوح أو التذلف الیه فتأتی دون هدف فكری موحد.
میزات الملحمه

- البطل الاصلی فی الملحمه هو بطل أو صنف (شبه) إله، الذی یضع مصیره قومه علی الخیر و الصواب و یجب أن تكون فیه قوه بالغه فوق القدره البشریه كه «رستم» فی «شاهنامه» و «آشیل» فی «الیاذه».

- أحداث الملحمه وقعت فی ماض الحیوه البشریه، بحیث افضل الملاحم قیمه، أقدمها زمناً.

- البعد المكانی فی الملحمه و سیع جداً، بحیث ستشمل العالم برمته فی بعض الاحیان، مثلاً فی «اودیسه» ستشمل هذه الملحمه كل اقطاع المعهوده فی ذلك الزمن، أو فی «الجنه المفقوده» -بصفتها ملحمه دینیه- نحن نواجه كل العالم بصوره كامله و شامله.

- احداث الملحمه تدور حول الحروب العظیمه و ما فوق القدره البشریه

- تداخل الموجودات العجیبه أو أصناف الالهه فی الحوادث الموجوده فی الملحمه، ك «سیمرغ» (عنقاء) فی «شاهنامه» ورب «المب» فی الالیاذه و الاودیسه.

- اصل الملاحم یرجع الی الجذور التأریخیه، أو الدینیه، أو الخیالیه.

- الملاحم –فی بدایه امرها- وضعت لأن تقرأ بالصوت العالیه، لأجل ذلك نری فیها لغه ضخمه و غلیظه و هی تختلف عن اللغه التی یتکلم بها العوام.

- تنشر الملاحم فی اكثر الاحیان علی بحر واحد.

- تنشأ الملاحم بفواصل زمینه كثیره بالنسبه إلی الأحداث نفسها.

- لا تعبر الملاحم عن الحروب و القتل و الدم فقط… بل هی تمثل الصفات الخلقیه و الفتوه و البطوله و… ایضا، و الابطال هم الممثلون لعصرهم و ابناء عصرهم.[7]

و كلمه «ملحمه» قدیمه كلفظه فی اللغه العربیه و هی تعنی موقعه حربیه التحم فیها جیشان و تنائر فیها لحم المحاربین، و كلها لم تكن تعنی قبل عصرنا الحالی علی أنها نوع ادبی بذاته أو أنها جنس من أجناس الادبیه المعهوده عند العرب. «و قد تكون شعراً كالیاذه عند الاغریق، و الشاهنامه عند الفرس، و قد تكون نثراً كسیره عنتره»
[u]انواع الملاحم[/]

1- الملاحم الطبیعیه: هی التی تظهر فی المراحل البدائیه من حیاه الامم و تاریخ الشعوب، وتصاغ بصوره تلقائیه و عضویه، و یكون ناظموها و رواتها و الذین یتداولونها، مؤمنین بما تتضمنه من ذكر الخوارق، و تدخل الالهه فی حیاه البشر، ایماناً مطلقاً لا تشوبه شائبه من الریبه و الشك، و الشعب فی الحقیقه هو مؤلف هذه الملاحم علی مرّ العصور… و بعباره أخری: «الملاحم الطبیعیه أو المجموعه هی الاصیل و ترتقی إلی زمن من تأریخ القوم و بما سبق عهد التدوین عندهم، فاعتمد فی تناقلها علی الروایه، لكنها بداعی تواتر الروایه تعرضت لكثیر من الحذف و الاضافه و التغییر و التبدیل، إلی أن اضطلع بروایتها علم من اعلام الشعر و الانشاء، فاستقام محتواها و سیاقها علی الصوره التی بلغتنا فیها مدونه –مضافه إلی جامعها و راویها و غالب الظن أنها فی الاصل قصائد عامره، نظمها شعراء أفذاذ، فی عهود متعاقبه، و مناسبات مختلفه- عقدكبار روایتها بین فرائدها، فنسبت إلی أشهرهم و ابرزهم، كماجری ذلك فی ملحمه الیونان الشهیره المضافه إلی هو میروس، و المعروفه به «الیاذه»

2- الملاحم الاصطناعیه: هی التی یصفها الشعراء فی الأزمنه المتأخره، و ینظمونها علی نهج الملاحم الطبیعیه، و محاكاه لمضامینها و اسلوبها من غیرأن یكونوا بالضروره مؤمنین بما یصفون من حوادث، و ینسجون من خوارق، و یصورون من بطولات «و هذه الملاحم –الملاحم الاصطناعیه أو الموضوعه- قد نظمها شاعر معروف فی زمن محدد، و نسج أنا شیدها حول احداث معینه، و جری فی سرد وقائعها، و وصف مشاهدها، علی مثال الملاحم المجموعه، بمقدار ما سمح موضوعه، و ألهمته قریحته، فأحاطها بهاله من البطوله، و اغناها بالمشاعر القومیه، و التقالید الاجتماعیه، و الاساطیر الموروثه التی تمت إلی موضوعه بصله قریبه أو بعیده. و مثالها «الانیاذه» التی نظمها «فرچیل» فی قیام الامبراطوریه الرومانیه و اتساع امجادها»

و من النقاد من قسم الملحمه قسمین: ملحمه ادبیه و ملحمه شعبیه

ففی الاول –الادبیه- یعلن الشاعر فی مستهل ملحمته عن موضوعها، ثم یذكر القصه و احداثها الخارقه للعاده و تدخل اصناف الالهه فی شؤون البشر، مستخدماً التصویرات الفنیه و التشبیهات الطویله و البعیده، و أسماء الابطال و الحروب و الاماكن و الاشیاء الهامه لحیاه الابطال كالأسلحه و…

اما الثانیه –الشعبیه- فیتضح فیها النقل مشافهه و التكرار، و تجرؤالسرد، الامر الذی یدل علی أنهالم تكن نتاج زمن واحد أو قریحه واحده.

و هناك ایضاً تقسیمات أخری ك:

-الملاحم الشعریه -الملاحم النثریه

و ایضاً

-الملاحم الاسطوریه - الملاحم التأریخیه - الملاحم الدینیه

أشهر الملاحم المجموعه (الطبیعیه)

1- ملحمه البابلین «جلجامش» (Gilgames)

2- ملحمه الهنود «مهابهاراتا» (Mahabharata)

3- ملحمه الهنود «رامایانا» (Ramayana)

4- ملحمه الفرس «شاهنامه» (Shahnameh)

5- ملحمه الیونان «الیاذه» (Iliade)

6- ملحمه الیونان «اودیسه» (Odysse)

أشهر الملاحم الموضوعه (الاصطناعیه)

1- ملحمه الرومانیین «انیاذه» (Aeneise)
الملحمه فی الادب العربی القدیم:

بالرغم من انتشار ادب الملحمه بین مختلف الشعوب و الامم فاننالانجد لهذا الفن اثراً فی الشعر العربی سوی مقطوعات قصیره و قلیله و قصائد محدوده ذات نفس ملحمی. و لكن لانستطیع أن نضمها الی الملاحم العالمیه الشهیره كالتی عند الیونان و الفرس، و حقاً لقد عرف العرب الشعر الحماسی، ذلك الذی كان الشاعر یتغنی فیه بمفاخر قومه، و یهجو خصومهم، و یدخل الحروب شجاعاً و یخرج منها ناجحاً و واصفاً تلك البطولیه التی خاضنتها أو كانت تخوضها قبیلته. لكن القصیده العربیه لم تكن قصصیه. بل كانت ذات طابع غنائی، كما أنها لم تكن تمتد لأكثر من مائه و خمسین بیتاً اللهم إلا فی القلیل النادر، و لكن هذا لایعنی أن الشاعر العربی لم یتطرق الی تلك المعانی التی تطرق الیها اصحاب الملاحم و خاصه المعانی التی تتعلق بذكر البطوله و الشجاعه، و الفخر و الحماسه، و منها المعلقات السبع و دواوین الحماسه و اراجیز و اناشید الجهاد و بعض الملاحم التی تتصف بالشعبیه و البطولیه الخارقه ك «سیره الزیز السالم» و «قصه عنتره» و …

نعم، المعلقات التی ترجع الی العهود الفطریه للشعب العربی، فی حین كانوا یخلطون بین الحكایه و التأریخ، هی ملحمه متعدد الناظمین، وحماد الراویه، فهو بمقام راوی هذه الماحم، أو الشاعر الذی جمع هذه الملاحم، فأضیفت إلیه كما أضیفت الایاذه إلی هومیروس، و الشاهنامه الی فردوسی، و كما كانت الملاحم الیونانیه و الهندیه و... تعبر عن صفات شعبها الخلقیه و عاداتهم و سننهم و… هذه المعلقات ایضاً تعبر عن عادات العرب و سننهم فی تلك العهود، و الحروب الطویله التی جرت بینهم كحرب البسوس و حرب داحس و الغبراء تذكر الحروب التی جرت –علی سبیل المثال- بین ایران و توران، فعنتره مثلاً یشبه فی كثیر من الاحیان «رستم» فی بطولته و شاعته و هیبته، و عفته و حیائه، و شخصیته الشعبیه.

و ایضاً فی العصر الاسلامی، نحن نری فی اشعار هذا العصر النفس الملحمی و البطوله و الاقدام و الحروب العظیمه و الكثیره، التی نری شبهها فی الملاحم العالمیه الاخری، كقصائد فرزدق و احظل و طرماح و…

و فی العصور المتأخره ایضاً نری كثیراً من الاشعار و الدواوین التی نری فیها نفس الملحمی و الحماسی، كدواوین الحماسه لأبی تمام و بحتری و …

و یقول فی هذا المجال الدكتور كمال الیازجی: «إذا جاز لنا أن نحمل الشعر العربی شیئاً من قبیل الملاحم، فالذی یبدو لی أن هذه القصائد التالیه ربما كن اقرب الی الملاحم؛

- ارجوزه ابن المعتز فی مدح المعتضد (418 بیت) التی تصف قیام بیت العباسی و استقلاله بالخلافه، و ازدهار الخلافه العباسیه.

- ارجوزه ابن عبد ربه فی مدح عبدالرحمن الناصر (442 بیت) التی تصف تحول الاماره الامویه فی الاندلس الی الخلافه علی ید عبدالرحمن الناصر و بلوغها فی عهده اوج ازدهارها.

- تائیه ابن الفارض الكبری (761 بیت) التی نستطیع أن نحسبها ملحمه صوفیه، تروی حكایه جهاد النفس ضد اباطیل الدنیا، و تحررها من مغریات الحیاه، و تسامیها الی الله من اجل الاتصال به و الفناء فیه».

و یعتقد فی هذا المجال الدكتور محمد التونجی بأن: «سیفیات المتنبی، التی تصف بطوله الفارس العربی سیف الدوله، تجاه البیزنطیین بالامتداد داخل بلاد الشام، و رومیات ابی فراس، تلك التی و صفت قتال هذا الشاعر العربی ضد البیزنطیین، و وصفت حاله ایام اسره، و قصائد شعراء «ادب الجهاد» فی مرحله الهجمه الصلیبیه الغربیه علی ارض العرب، با سم الحرب المقدسه، كشعر شاعر اسامه بن منقذ، و شعر طلائع بن رزیك، و لا سیما تلك القصائد التی اشادت ببطوله صلاح الدین ربما كان اقرب الی الملاحم.»

فضلاً عن هذا كله، لدنیا ملاحم تتصف بالشعبیه و البطوله الخارقه، امثال «سیره الزیز السالم» و هی تحكی بطوله مهلهل بین ربیعه فی حرب البسوس، و ملحمه «الظاهر بیبرس» صاحب الفتوحات و الانتصارات علی المغول و الصلیبین، و ملحمه «بنی هلال» و بنو هلال قبیله عربیه من فروع معدو عن بطولاتهم وضعت سیره «بنی هلال» مع وقایع تأریخیه و أسطوریه، و هی سیرتان، السیره الشامیه و السیره الحجازیه، و قصه «عنتره بن شداد» ملحمه حماسیه و بطولیه و غرامیه، برزت احداثها فی الجاهلیه، و بطلها شخصیه عربیه واقعیه، وضعت لهدف سیاسی هو الهاء الشعب عن السیاسه فی العهد العثمانی.

علی أن المیزه الطاغیه علی هذه الملاحم الركاکه الاسلوبیه، و الهلهله الشعریه أو النثریه، و تكرار بعض الاحداث، و إذا لم یكن للاعراب ملاحم تنطبق تماماً علی ملاحم الاغریق فإن بوادر هذه الملحمه برزت فی الشعر الحماسی و الفروسی، و فی سیر الشعبیه التی لو قیض لها شاعر ینمیها لغدت من صمیم هذا الفن العریق.»[13]
الملاحم فی الادب العربی الحدیث

استمرت محاولات الشعراء فی طرق الشعر الملحمی حتی مستهل القرن العشرین حیث ظهرت الملحمه ظهوراً ملتفا للنظر و بثوب جدید و بمواضیع قومیه و عقائدیه و تأریخیه قلما تطرق إلیها الشعراء فی العصور السابقه. و قد ردّ بعض الادباء هذه الظاهره إلی یقظه العرب القومیه منذ بدء هذا القرن و التفاتهم إلی أمجادهم السالفه، و تطلعهم الی الاداب الاجنبیه، و حرصهم علی الغرف من منابعها العذبه الغزیره، و كان السابق الی الاهتمام بالملاحم اهتماماً فعلیاً سلیمان البستانی.

و من الملاحم الدینیه التی ظهرت فی هذا العصر هی ملحمه الشاعر الشیخ كاظم الارزی المعروفه بـ «الازریه» التی مدح الشاعر فیها الرسول (ص) و ذكر معجزاته و مناقبه و … و تبلغ عدد ابیاتها إلی ألف بیت و لكن مابقیت منها الا ابیات قلیله، و من الملاحم المهمه الاخری التی ظهرت فی مستهل القرن العشرین هی القصیده المباركه لعبد المسیح الانطاكی التی تعرف «بالملحمه» و قد بلغ عدد ابیات هذه القصیده 5595 بیتاً و من الملاحم الدینیه الاخری هی ملحمه «مجد الاسلام» أو «إلیاذه اسلامیه» لاحمد محرم، و اختار الشاعر موضوع دیوانه «مجد الاسلام» من التأریخ الاسلامی و عصر صدر الاسلام، حیث تناول غزوات الرسول (ص) و اصحابه(رض)، و قسم عمله الی فصول، و قدم لكل فصل لمقدمه نثریه یشرح فیها موضوعه، و اسم «دیوان الاسلام» اقرب إلی طبیعه هذا العمل من وصفه بالملحمه، لأن الشاعر لجأ إلی حقائق التأریخ و لم یلجأ الی عنصر الخیال و لم یذكر الحوادث الخارقه للعاده و … كما انه یمیل إلی الغنائیه، و شارك فی هذ، الاتجاه، احمد شوقی فی كتابیه «كبار الحوادث فی وادی النیل» و «دول العرب و عظماء الاسلام» و عمر ابو ریشه فی كتاب «الملاحم البطولیه فی التأریخ الاسلامی» و خالد الفرج فی كتاب «احسن القصص» و منها ایضاً بولس سلامه فی «عید الغدیر» و حافظ ابراهیم فی «عمریه» و عبدالحلیم المصری فی «بكریه» و عمر ابو ریشه فی «خالدیه» و … و ممن حاولوا أن یملأوا فراغ الشعر العربی من الملاحم –فضلاً عما سبق-

- شفیق معلوف فی «عبقر» - سعید عقل فی «قدموس» حلیم دموس فی «ملحمه العرب»

- محمد عبدالمطلب فی «علویه» - عبدالمنعم الفرطوسی من «ملحمه اهل البیت»

و الملاحم بهذا المعنی كثیره جداً، و هذا كله –بسبب خلوه من اكثر میزات الملحمه و عناصرها- من قبیل الملاحم و من قبیل شبه الملاحم، و لیست اكثر الملاحم البطولیه و الدینیه التی ظهرت حتی الان فی الادب العربی إلا محاولات لم تستكمل نضجها بالنسبه إلی ما عند الاغریق و الفرس و الهنود و …

اسباب خلو الادب العربی من الملاحم:

قد اشتغل الباحثون فی تعلیل هذا الامر و اوردوا اسباباً عده منها: قول من زعم «أن العرب نظموا فیه كثیراً و ضاع مانطموه» فلم یبق لعهد التدوین و الروایه إلا القلیل هما ذكرت فیه اخبار العرب، و هو قول ترده الشواهد و الدلائل التاریخیه. و منها «أن خیال الجاهلیین لم یتسع للملاحم و القصص الطویله لانحصاره فی بادیه متشابهه الصور، محدوده المناظر ثم لمادیتهم و كثافه روحانیتهم، ثم لفردیتهم و ضعف الروح القومیه و الاجتماعیه فیهم، ثم لقله خطر الدین فی قلوبهم و قصر نظرهم عما بعدالطبیعه، فلم یلتفتوا الی ابعد من ذاتهم، و لا الی عالم غیر العالم المنظور، و لاتولدت عندهم الاساطیر الخصبه، و لم یكن لأصنامهم من الفن و الجمال ما یبعث الوحی فی النفوس شأن اصنام الیونان و الرومان: فقل من ذكر منهم اوثانه و استوحاها فی شعره. و لم یساعدهم مجتمعهم علی التأمل الطویل و ربط الافكار و فسح آفاق الخیال، لاضطراب حیاتهم برحیل مستمر، فجاء نفسهم قصیراً كإقامتهم، و خیالهم متقطعاً كحیاتهم، صافیاً واضحاً كسمائهم، دانی التصور محدودا لألوان كطبیعتهم. و كانت ثقافتهم الادبیه فطریه خالصه یتغذی بعضهم من بعض، و لایقبلون لقاح الاداب الاجنبیه الراقیه لجهالتهم و اعتزال بادیتهم و تمردها و كذلك كانت علومهم ساذجه لا تفتح نوافذ النور للنظر، فیالنفس و ما بعد العالم الهیولی.»

و یقول فی هذا المجال الدكتور شفیق البقاعی: «اما السبب العائد لخو الادب العربی من بعض الاجناس الادبیه –و منها الملحمه- التی نحن نری مثالها عند الیونان و الرومان و السومریین، فهو عائد لظروف كونت طبائع اسلافنا و ركبت فیهم المیزاجیه التی صنعوا من خلالها ادبهم»

و یقول الدكتور عبدالمنهم الخفاجی: «1- أن مزاوله هذین اللونین –القصص و التمثیلی- من الشعر تقتضی الرویه و الفكره، و العرب اهل بدیهه و ارتجال. 2- و انهما یتطلبان الإلمام بطبائع الناس، و قد شغل العرب بأنفسهم عن دراسه النفوس و التفرغ لتحلیل طبائع الناس. 3- و انهما یفتقران إلی التحلیل و التطویل؛ و العرب اشد الناس اختصاراً للقول، و اقلهم استقصاداً فی البحث. 4- و انهما یحتاجان إلی كثره الاساطیر، و لم تتوفر هذه الكثره للعرب. 5- علی أن قیود الوزن و القافیه فی الشعر العربی لا تساعد علی الاطاله و الانشاء الملاحم الطویله. 6- و علی أن الشعر القصصی و التمثیلی یحتاجان إلی تدوین و كتابه لانهما لونان من الوان التدوین و الحضاره، و العربی فی الجاهلیه لم یكن یعرف هذه الوسائل، و كان بعد العصر الجاهلی محتذیاً للقدامی فی مناهجهم الادبیه و ألوان شعرهم الفنیه»[16]

و ثمه تعلیلات أخری فسرت انعدام الفن الملحمی فی الشعر العربی، منها أن القصه فی الشعر الجاهلی ضعیفه الفن لاقتصادها علی الخبر البسیط و السرد السریع… و لا جرم أن الا یجاز الذی درج علیه الجاهلی كان یحول بینه و بین الاسهاب فی اخباره… فلم یتوفر له عمل الملاحم و القصص الطویله.

و نحن نری بأن القصیده العربیه منذ نشأتها موحده القافیه، و الفتوحات الاسلامیه لم تتمخض عن ظهور شعر ملحمی، لأننا نری فی هذه الفتوحات طابعاً دینیاً و كان الهدف الاول منها هو نشر الاسلام و المضامین الدینیه.

و یقول الدكتور كمال الیازجی فی تحلیل هذه الظاهره –احجام العرب عن نظم الملاحم- عن لسان سلیمان البستانی، و یقول «1- ضیق نظاق الاحداث الجاهلیه 2- قصر النفس الشعری 3- التمسك بالمنهج التقلیدی و 4- ضعف تراث الاسطوری و … هی من الاسباب الرئیسیه لخلو الادب العربی من الملحمه.»

و ربما من الاسباب الرئیسیه الهامه فی هذا المجال هی عدم ترجمه الاعراب الادب الیونانی، لعدم رغبتهم أو أنهم لایعجبون بشعر غیر شعرهم، فیقولون أن الشعر هو شعر العرب فحسب.

و منها أن الوثنیه العربیه فی الجاهلیه لم تكن تلك الوثنیه المكتمله المعقده و المركبه: بل كانت و ثنیه فی ابسط اشكالها و كانت تتعایش مع مذاهب توحیدیه، كالیهودیه و النصرانیه و …

و منها أن التقلید الشعری الاصولی السائد، و المتمثل بسلطه القصیده الغنائیه ذات القافیه الواحده و الوزن الواحد لم یكن یسمح بنظم المطولات القصصیه الملحمیه…

و یقول الدكتور احمد الشایب: «إن ماده القصص توافرت للأقدمیین من عرب الجاهلیه لكثره ایامهم الداخلیه و الخارجیه، و توالی أسفارهم و شیوع الاساطیر و الخرافات بینهم، و لكن الشاعر او هو میر العرب لم یوجد، بدلیل أن هذه الماده الجاهلیه نفسها أو جدت القصص بعد الاسلام و كان خلیطاً من النظم و النثر»[18]

الخاتمه:

بالرغم من انتشار ادب الملحمه بین مختلف الشعوب و الامم فإننا لانجد لهذا الفن و هذا الجنس الادبی اثراً فی الشعر العربی سوی مقطوعات قصیره و قلیله و قصائد محدوده ذات نفس ملحمی، التی لانستطیع أن نضمها الی الملاحم العالیمه الشهیره كالتی عند الیونان و الفرس و الهنود، و لقدا تفق اكثرالباحثین تقریباً علی خلو الادب العربی من هذا الجنس الادبی و لكن تفرقت آراؤهم فی تفسیر هذه الظاهره، منهم من یردها الی خیال الجاهلین البسیط لانحصاره فی بادیه متشابهه الصور و الی فردیتهم و ضعف الروح القدسیه بینهم كبطرس البستانی، كما یردها البعض الاخر إلی قلّه الاساطیر و وجود قیود الوزن و القافیه كعبد المنعم الخفاجی، أو الی ضیق نظاق الاحداث الجاهلیه و قصر النفس الشعری، و التمسك بالمنهج التقلیدی كسلیمان البستانی.

و من الباحثین من یعتقد بأن هناك توجد قصائد ذات نفس ملحمی و حماسی، التی تستطیع أن تسمی شبه الملاحم و إن لم تصل إلی ما عند الیونان و الفرس و منهم الدكتور كمال الیازجی، الذی یعتقد بأن أرجوزه ابن معتز و ارجوزه ابن عبد ربه و تائیه ابن الفارض الكبری –بصفتها ملحمه صوفیه و دینیه- ربما كانت اقرب الی الملاحم، كما یعتقد الدكتور التونجی بأن سیفیات المتنبی و رومیات آبی فراس و قصائد شعراء «ادب الجهاد» ربما كانت أشبه بالملاحم.

و منها المعلقات السبعه التی نستطیع أن نحسبها ملحمه متعدد الناظمین فضلاً عن دواوین الحماسه و …

و فی الادب العربی الحدیث ایضاً، استمرت محاولات الشعراء فی هذا المجال و نری ظهور الآثار التی تشبه الملاحم فی بعض –الاحیان كـ «الیاذه الاسلامیه» لاحمد محرم و «الازریه» لشیخ الكاظم الازری و «عید الغدیر» لبولس سلامه و…

و لكن نری الشعراء فی هذه الاثار یلجؤون الی الحقائق التأریخی و یمیلون الی الغنائیه و لم یلجؤوا الی عناصر الملاحم كعنصر الخیال و الحوادث الخارقه للعاده